الغزالي
181
إحياء علوم الدين
مثال آخر لتأدية علائق الدنيا بعضها إلى بعض حتى الهلاك قال عيسى عليه السلام : مثل طالب الدنيا ، مثل شارب ماء البحر ، كلما ازداد شربا ، ازداد عطشا حتى يقتله مثال آخر لمخالفة آخر الدنيا أولها ، ولنضارة أوائلها ، وخبث عواقبها اعلم أن شهوات الدنيا في القلب لذيذة ، كشهوات الأطعمة في المعدة . وسيجد العبد عند الموت ، لشهوات الدنيا في قلبه من الكراهة والنتن والقبح ، ما يجده للأطعمة اللذيذة إذا بلغت في المعدة غايتها . وكما أن الطعام كلما كان ألذ طعما ، وأكثر دسما ، وأظهر حلاوة كان رجيعه أقذر وأشد نتنا ، فكذلك كل شهوة في القلب هي أشهى وألذ وأقوى ، فنتنها وكراهتها والتأذي بها عند الموت أشد . بل هي في الدنيا مشاهدة . فإن من نهبت داره وأخذ أهله وماله وولده ، فتكون مصيبته وألمه وتفجعه في كل ما فقد ، بقدر لذته به ، وحبه له . وحرصه عليه . فكل ما كان عند الوجود أشهى عنده وألذ ، فهو عند الفقد أدهى وأمر ولا معنى للموت إلا فقد ما في الدنيا . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم [ 1 ] قال للضحاك ابن سفيان الكلابي « ألست تؤتى بطعامك وقد ملَّح وقزّح ثمّ تشرب عليه اللَّبن والماء » قال بلى . قال « فإلى م يصير ؟ » قال إلى ما قد علمت يا رسول الله . قال « فإنّ الله عزّ وجلّ ضرب مثل الدّنيا بما يصير إليه طعام ابن آدم » . وقال أبي بن كعب [ 2 ] قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إنّ الدّنيا ضربت مثلا لابن آدم فانظر إلى ما يخرج من ابن آدم وإن قذّحه وملَّحه إلى م يصير » وقال صلى الله عليه وسلم [ 3 ] « إنّ الله ضرب الدّنيا لمطعم ابن آدم مثلا وضرب مطعم ابن آدم للدّنيا مثلا وإن قزّحه وملَّحه » وقال الحسن ، قد